التنصير فوق صفيح ساخن

خيبة المنصرين: أخبارهم وفضائحهم

جذور بوش اليمينية العميقة تمنع أي تغيير في السياسة الأميركية

وقد أثبتت هذه الصفقة أنها ذات مردود رائع بالنسبة للطرفين فبالإضافة إلى أنهم كانوا سيطروا على فرع الحزب في تكساس خلال مطلع التسعينيات وضمنوا لبوش منصب الحاكم لولايتين

تحول اليمين الديني الذي يشكل ربع ناخبي الحزب الجمهوري المضمونين في أميركا إلى قاعدة الدعم الأساسي بالنسبة للرئيس. من جهة أخرى أثبت بوش للمنظمات الدينية أنه مؤمن حقيقي وليس مجرد سياسي يسعى إلى استمالة أصوات الناخبين، فمنذ إعادة انتخابه حاكماً عام 1998راح يخصص وقتاً طويلاً للاجتماع بزعماء الطائفة الإنجيلية حتى أصبحوا يعدّونه واحداً منهم. وهو بالغ في تأكيد ولائه لهم عندما وقّع التماساً للمحكمة الدستورية العليا في آذار 2000 يطلب فيه الموافقة على تلاوة الصلوات قبل بدء مباريات كرة القدم في مدارس تكساس الثانوية. ورغم أن المحكمة رفضت الطلب لكونه متناقضاً مع روح الدستور إلا أن الزعماء الدينيين شكروا بوش على جهوده المخلصة.

وخلال فترة السنوات الست التي قضاها حاكماً لولاية تكساس راح بوش يراقب باهتمام وغبطة تزايد نفوذ اليمين الأصولي على مستوى البلاد وتنامي دوره في الحياة السياسة الأميركية ورأى فيه أمله في الوصول إلى الرئاسة. ولم يدع بوش مناسبة تمر دون أن يبرهن لحلفائه الجدد أنه خير من يستطيع تمثيلهم وخدمة مصالحهم حتى إنه وخلال حملته الانتخابية في ولاية آيوا قام بتسمية السيد المسيح فيلسوفه المفضل. وإمعاناً في إرضائهم قرر اختيار ديك تشيني الذي يعتبر من ثقاة اليمين الديني نائباً له. بالمقابل وعد اليمين المسيحي بوش بتقديم الدعم الذي ضنوا به على السيناتور بوب دول عندما قرر تحدي الرئيس كلينتون في انتخابات عام 1996 لأنه رفض إلزام نفسه ببعض مطالبهم كما نصروه خلال الانتخابات الداخلية للحزب على منافسه الجمهوري السيناتور جون ماكين الذي لم يكن على يمينيته متديناً بدرجة كافية بالنسبة إليهم.

خلال انتخابات عام 2000 أنجز زعماء اليمين ما وعدوا، حيث شنوا حملة تأييد واسعة لبوش تراوحت بين جمع التبرعات والطلب إلى أتباعهم في الكنائس ووسائل الإعلام التصويت له. ونتيجة لهذا الحشد الهائل حصل بوش على 15 من أصل 19 مليون صوت أدلى بها أنصار اليمين الديني في الانتخابات. ويعترف بوش بفضل ثلاث شخصيات دينية نافذة وقفت وراءه ومحضته دعمها. الأولى هي بات روبرتسون الزعيم السابق للتحالف المسيحي الذي يعتبر أنشط المنظمات الدينية في أميركا ويضم في عضويته 2 مليون ناخب – وكانت مجلة (Fortune) صنفته سابع أقوى لوبي في واشنطن من بين 114 جماعة ضغط. الشخصية الثانية هي رالف ريد المدير التنفيذي السابق للتحالف والذي أصبح رئيساً لفرع الحزب الجمهوري في ولاية جورجيا. أما الشخصية الثالثة فهي جيري فالويل أبرز رموز الكنيسة المعمدانية الجنوبية. ويعتبر فالويل شخصية مثيرة للجدل في أميركا فهو يدعو إلى استبدال التعليم الحديث بالتعليم الكنسي ويهاجم مبدأ فصل الدين عن الدولة ويسعى لإقامة دولة ثيقراطية على أنقاض الديمقراطية تكون تفويض للكنيسة ببناء المملكة الأرضية تمهيداً لعودة السيد المسيح. وقد عرف عنه أيضاً دعمه للحكم العنصري في جنوب إفريقيا واعتباره معاداة إسرائيل بمنزلة إعلان حرب على الرب، واعتبر هجمات أيلول عقاباً من الله لأن أميركا تتسامح مع الشاذين جنسياً ودعاة حرية الإجهاض. ويشك الكثيرون في أن بوش يشارك فالويل رأيه في عدد مهم من القضايا وإن لم يشأ الإفصاح عن ذلك علناً.
لا غرو إذاً أن زعماء اليمين المسيحي اعتبروا وصول بوش إلى البيت الأبيض انتصاراً شخصياً لهم حتى إن رالف ريد اعتبر نجاح بوش في الانتخابات أول دخول كنسي إلى البيت الأبيض منذ بنائه مطلع القرن التاسع عشر. وقد أبرزت وسائل الإعلام الأميركية تصريحاته التي قال فيها: «لقد تمت كلمة الله على أميركا، لن نلقي حجارة على البيت (الأبيض) بعد اليوم لأننا نحن من يسكنه. ندعو الله أن يحفظه (بوش) ذخراً لهذا البلد وأن يصونه من شر الإرهابيين الكفار».

و بالطبع كان على بوش أن يرد الجميل لمن حمله إلى سدة الحكم وكان كريماً لدرجة أخجلت حلفاءه الأصوليين حيث قام بإسناد معظم المناصب في إدارته إلى مجموعة من تحالف اليمين المسيحي والمحافظين الجدد ومعظم هؤلاء الأخيرين من يهود أميركا العلمانيين وقد جمعهم مع اليمين المسيحي تأييدهم لإسرائيل وإعجابهم بحزب الليكود وشخصية أرئيل شارون. وقد اضطلع المستشار الخاص للرئيس كارل روف بدور مهم في بناء هذا التحالف والمحافظة على تماسكه. والمعروف عن روف أنه لعب دوراً حيوياً في تحويل التأييد التقليدي ليهود أميركا من الحزب الديموقراطي إلى الحزب الجمهوري. وقد اعتمد بوش في اختيار تشكيلته من التعيينات لمعظم المناصب في إدارته على أوكار اليمين المتطرف والمحافظين الجدد في مجموعة من المؤسسات ومراكز البحث الأميركية التي كان أهمها:
الجمعية الفيدرالية (Federalist Society) : وهو ائتلاف يضم مجموعة من المحامين وطلاب القانون المحافظين تأسست في مطلع الثمانينيات وانحصر اهتمامها بنشر الأيديولوجيا اليمينية في مجالي القانون الدستوري والحقوق المدنية. وقد أمدت هذه الجمعية إدارة بوش بمعظم صناع القرار في حقلي القانون والتشريع ومن أبرز رموزها وزير العدل السابق جون اشكروفت الذي لمع كسيناتور وحاكم لولاية ميسوري وكان المرشح المفضل للجماعات الدينية اليمينية لانتخابات الرئاسة لكنه اعتذر عندما علم بترشح جورج بوش. وخلال فترة تسلمه منصبه في ولاية بوش الأولى سيطر اشكروفت مع نوابه ومساعديه الذين استقدمهم جميعاً من الجمعية الفيدرالية على جميع نواحي الحياة القانونية والتشريعية في الولايات المتحدة. ومن رموز الجمعية أيضاً المحامي العام السابق تيودور أولسون الذي عمل في إدارة ريغن ومثّله في فضيحة إيران غيت كما مثّل بوش في المحكمة الدستورية العليا خلال النزاع على فرز الأصوات في ولاية فلوريدا وكان شريكاً للمحقق المستقل كينث ستار في فضيحة مونيكا لوينسكي ومستشاراً لفريق المحامين في قضية باولا جونز ومحامي الادعاء الشخصي ضد كلينتون في فضيحة وايت ووتر المتعلقة بشراء أراض في ولاية أركنساس. وينحدر من الجمعية أيضاً وزيرة البيئة السابقة غال نورتون المعروفة بسجلها البيئي السيئ ووزير الطاقة السابق سبنسر إبراهام وهو من مؤسسي الجمعية وغلاة اليمين الديني. ويتفق هؤلاء جميعاً في معارضتهم لتشريعات المساواة العرقية، رفض قوانين منع استخدام العنف ضد المرأة، خدمتها في الجيش وحريتها في الإجهاض كما يدعمون استمرار العمل بعقوبة الإعدام وفرض رقابة على وسائل الإعلام وحرية النشر ويفضلون تقديم دعم حكومي للمنظمات الدينية ونقل صلاحيات الدولة إليها في مجال الخدمات الاجتماعية والصحية ويسعون إلى فصل الجنسين في المدارس الحكومية.

مؤسسة هيراتيج (Heritage Foundation): وهي أكثر المؤسسات الفكرية الأميركية تطرفاً ومن المعروف أنها وضعت مسودة سياسات البيت الأبيض خلال الفترة الرئاسية الأولى لرونالد ريغن ومسودة «التعاقد مع أميركا» التي تبناها الجمهوريون عندما استعادوا سيطرتهم على مجلس النواب عام 1994. وقد أمدت هيراتيج إدارة بوش الأولى بمجموعة كبيرة من موظفي المستويين الأول والثاني. وتعتبر وزيرة العمل السابقة ايلين شاو من أبرز وجوه المؤسسة وهي إضافة إلى زميلتها المرشحة السابقة ليندا شافيز من أبرز معارضي التعدد اللغوي ومن أنصار فرض الإنكليزية لغة رسمية للبلد. ومن رموز هيراتيج أيضاً مساعد وزير التعليم السابق ايوجين هيكوك، والمستشار السياسي السابق للرئيس وكاتب خطاباته مايكل غيرسون، المساعد الخاص السابق للرئيس وكاتب خطاباته الاقتصادية ديفيد فروم، مدير دائرة المبادرة الإستراتيجية في البيت الأبيض باري جاكسون، مدير مكتب مساعد نائب الرئيس لشؤون الأمن القومي ستيفن ياتس ومدير صوت أميركا السابق روبرت رايلي.

مركز السياسة الأمنية (Center for Security Policy): أنشأه فرانك غافني مساعد وزير الدفاع في إدارة ريغن وصاحب مبادرة الدفاع الإستراتيجي ويوصف بأنه مركز أعصاب جماعات ضغط حرب النجوم. ومن رموزه وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، رئيس البنك الدولي بول وولفيتز، مساعد الوزير للشؤون السياسية سابقاً دوغلاس فيث، نائبة مساعد وزير البحرية لشؤون الاحتياط والموارد البشرية انيتا بلير ومستشار بوش لشؤون الصراع العربي- الإسرائيلي اليوت أبرامز الذي عمل رئيساً لمركز السياسة العامة المختص بتوثيق الروابط المسيحية – اليهودية وشغل عضوية مجلس إدارة المركز بين عامي 1989-1996.

مؤسسة أميركان أنتربرايز (American Enterprise Institute) أكثر المؤسسات اليمينية نفوذاً في الولايات المتحدة وتعتمد في عملها على تبرعات منظمات اليمين المتطرف. ومن رموزها وزير الخزانة السابق بول أونيل الذي أقاله بوش بسبب خلافات معه حول السياسة الاقتصادية، والسفير السابق في الأمم المتحدة جون بولتون وكان يشغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة المؤسسة قبل أن ينتقل إلى مركز السياسة الأمنية.

مؤسسة كاتو: (Cato Institute) تقود عملية الضغط باتجاه خصخصة القطاعات الخدمية الحكومية وقد أنفقت نحواً من 3 ملايين دولار لدعم فكرة خصخصة الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة. ومن رموزها في الحكومة المساعد الخاص في مكتب مساعد وزير الخارجية لشؤون التسلح مارك غرومبردج.

مؤسسة هدسون (Hudson Institute): مقرها إنديانا وهي تضغط باتجاه إلغاء الضرائب على الشركات الكبرى. ومن رموزها في الإدارة مساعدة وزير الخارجية للشؤون الدولية باولا دوبرنيسكي، مساعد وزير التعليم كارول داميكو، مساعد وزير الصحة ويد هورن وهو من كتاب الواشنطن تايمز- أبرز صحف اليمين الجمهوري – ومساعد وزير الإسكان السابق جون ويشر.

منظمة أميركيون من أجل الإصلاح الضريبي (Americans for Tax Reform): يقودها غروفر نوركويست الذي يوصف بأنه مركز أعصاب اليمين المحافظ في أميركا حيث يرأس اجتماعاً أسبوعياً لأشد جماعات الضغط اليميني تطرفاً. ومن رموزها الحكومية وزير الصحة السابق تومي تومبسون وهو عضو أيضاً في مجلس السياسة القومية وهي منظمة يمينية سرية تضم زعيم الأغلبية السابق في مجلس الشيوخ ترينت لوت والزعماء الدينين الذين أوصلوا بوش إلى البيت الأبيض: جيري فالويل، رالف ريد وبات روبرتسون. وتضم أيضاً ريتشارد لاند عضو المفوضية الأميركية للدفاع عن الحريات الدينية حول العالم الذي يطالب الحكومة بتقديم الدعم المالي اللازم لتحويل المسلمين، اليهود والهندوس إلى المسيحية.

بالطبع هذه التشكيلة – التي يعتقد اليمين المسيحي أنها أصدق تعبير عن اندماج الكنيسة والدولة – أثارت الذعر في صفوف الليبراليين الذين أعربوا عن مخاوفهم من الانزلاق نحو حالة من الاستقطاب المجتمعي بين المتدينين والعلمانيين وأن يكون ذلك بداية عملية تحول تنتهي بأميركا إلى دولة دينية تحكمها طبقة من الكهنوت المعمدانيين مع ما يعنيه ذلك من مخاطر استبعاد التيارات الأخرى من عملية صنع القرار والوصول بالبلد إلى حافة نزاع أهلي غير مسبوق.

في الوقت نفسه يعتقد هؤلاء أن اعتماد الرئيس بشكل كلي تقريباً على هذه المؤسسات ورموزها وفي ضوء إحاطتهم به بشكل يمنع وصول أي وجهات نظر معارضة إليه، وبتأثير هيمنة فكر غيبي وإيماني عميق عليه، يجد بوش صعوبة بالغة في إحداث أي تغيير في سياساته فضلاً عن رفضه مجرد الشك في صحتها أو قدرتها على تحقيق الأهداف التي يسعى إليها وهي تغيير العالم وجعله على صورة أميركا.

منقول عن صحيفة الوطن السورية

فبراير 25, 2007 - كتبت بواسطة عصام مدير | لوبي وتحالف التنصير, نصرانية جورج بوش | | No Comments Yet

لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق