الكريسماس.. بين الاحتفال الديني والتجارة الرابحة

لندن: د.أحمد عيسى
الأعياد ليست مناسبات للفرح والبهجة والتزاور فحسب، بل هي مظهر من مظاهر الانتماء الديني والحضاري، حيث تشعرك بأنك جزء من الجماعة والأمة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل وصل التغريب بالمسلمين إلى أن يسيروا خلف الغرب كيفما شاء ولا يترك لهم خصوصية حتى في الأعياد التي هي شعار الأمة وجزء من دينها؟! فالأعياد المسيحية مثل الكريسماس صارت تزاحم أعيادنا.. وفي ديارنا.. وتجلب معها وجبة دسمة من المنكرات، والخروج عن قيم ديننا الحنيف.

ومن المحزن أن نجد في أرض الإسلام اليوم مظاهر الكريسماس من أشجار (الميلاد)، والحفلات والألعاب النارية، كأن الأمر بات يخصنا بالدرجة الأولى!

إن الكريسماس في بريطانيا مثلاً يعد موسماً للإنفاق، وشرب الخمر، وما يتبعه من قتل للأبرياء بسبب السائقين المخمورين ويقدر عدد الضحايا (من3000 إلى5000)، بجانب الحفلات الصاخبة وما يتبعها من حالات اغتصاب تحت تأثير المخدرات.. فهل هذا احتفال ديني أم موسم تجاري، أم فرصة للهو والعبث؟!

مغالطات تاريخية
فالأناجيل لم تحدد اليوم الذي ولد فيه المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، ولكن البابا “جوليوس الأول” قرر في القرن الرابع الميلادي أن يوم 25 ديسمبر هو يوم ميلاد المسيح!

وفي منتصف القرن السابع عشر وحتى بداية القرن الثامن عشر أوقفت الطائفة المسيحية (البيوريتانس) الاحتفال بالكريسماس في أوروبا وأمريكا، لاعتقادها أن الأنجيل لم يذكر يوم مولد المسيح بالتحديد، وأن الاحتفال أصله وثني روماني، واعترضت على الاحتفالات الصاخبة التي تصاحبه.

وفي عام 1644م ُمنعت كل الاحتفالات بالكريسماس بإنجلترا، شاملة تزيين البيوت وأكل الفطائر. بينما نصارى مصر وهم “أرثوذكس” يحتفلون بيوم الكريسماس في 7 يناير، حيث للأقباط تقويم خاص فيه العام 13 شهراً.
أما بالنسبة لأصل الاحتفال فإن هناك من يرى أنه ذو جذور يهودية وإغريقية، وآخر يرجعه إلى عقائد وتقاليد وتراث القبائل الأوروبية، أما شجرة الكريسماس فهي (اختراع) ألماني، وأول شجرة استخدمت في بريطانيا كانت شجرة أهدتها ملكة النرويج للأمير ألبرت سنة 1834م.

تراجع عدد رواد الكنائس
ولعل اهتمام الغرب باحتفالات الكريسماس، تخفي وراءها الكثير من علامات التراجع الديني المسيحي، فالذين يقولون إنهم يؤمنون بإله 46% فقط، وقد يكون الكريسماس اليوم الوحيد الذي يحتفلون؛ به ظناً منهم بقدسيته الدينية ونسبة هؤلاء 21% من الشعب. فيما تراجع عدد المنتظمين في أداء الطقوس الدينية من 1.6 مليون (3.5%) من البريطانيين عام 1970م إلى 940 ألفاً (1.9%) عام 2001م.

موسم تجاري
ومن ثم فالكريسماس ما هو إلا موسم تجاري للبيع والشراء، وقد انفق البريطانيون 15 مليار جنيه استرليني العام الماضي، ويتوقع أن يصل إلى 17 مليار هذا العام. وينفق المواطن العادي في المتوسط حوالي 400 جنيه استرليني للهدايا في هذا الموسم، ويكون عرضة للاقتراض بالربا الفاحش، وزيادة ديونه.

لهم دينهم

هؤلاء لهم دينهم وتقاليدهم وأعرافهم، ونحن لنا ديننا وقيمنا ومبادئنا، فلماذا نقلدهم، ونحتفل بأعيادهم في بلاد الإسلام؟. وقد قال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (المائدة 3). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم”: “مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء”.

نعم يحتفل النصارى بأعيادهم وهم يعيشون في بلاد المسلمين، ولكن لماذا نحتفل نحن بأعيادهم؟
لقد اعتبر بعض العلماء أن مشاركة أهل الملل الأخرى في أعيادهم نوع من الزور والباطل، واستنبطوا ذلك من وصف الله تعالى لعباده:  والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما 72 (الفرقان). وقال القرطبي: “أي لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه، والزور كل باطل زُوِّر وزخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد”. وفي رواية عن ابن عباس أنه أعياد المشركين.

ويقسم الشيخ القرضاوي الناس إلى ثلاثة أقسام:
1 أناس يمالئون النصارى، ويحتفلون بأعياد الميلاد أو ما يسمى الكريسماس أكثر ما يحتفل المسيحيون أنفسهم، وربما لم يحتفل بأعياد المسلمين ومواسمهم كما يحتفل بهذه المناسبة، هذا فريق نسي نفسه ودينه، وذاب في غيره كما يذوب الملح في الماء.

2 وفي مقابل هؤلاء أناس آخرون، لا يرون أن تهنئ جارك أو زميلك أو قريبك أو أستاذك المسيحي، مع أنه يجاملك في أعيادك ويهنئك، وربما قدم لك بعض الهدايا، فهذا صنف آخر يرفض هذه المناسبة رفضاً تاماً بل يعتبر مجرد التهنئة حراماً من المحرمات.

3 أهل الوسط يعتبرون أن في سورة الممتحنة آيتين محكمتين من كتاب الله تعتبران دستوراً يؤسس العلاقة ما بين المسلم وغير المسلم، فهذان هما القسمان من غير المسلمين، قسم قاتل المسلمين في ديارهم وأخرجهم من ديارهم أو ظاهر على إخراجهم، فهذا لا يجوز توليه ولا تهنئته ولا الصلة به، وصنف آخر مسالم “لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم” فهؤلاء لم ينه الله أن “تبروهم وتقسطوا إليهم”. ومن البر حسن المعاشرة، ومن حسن المعاشرة أن تهنئهم بأعيادهم كما يهنئونك بأعيادك، خصوصاً إذا كان هناك صلة بينك وبين هذا المسيحي، كأن يكون جاراً لك، فهناك حقوق للجار، أو زميلاً في الدراسة، أو الطلاب الذين يدرسون في البلاد الأوروبية أو غيرها.

ويضيف فضيلته قائلاً: أنا أعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية شدد في هذه المناسبات، ولم يجز أن يهنئهم المسلم بناءً على أن هذا يتضمن الرضا بدياناتهم وعقائدهم وعباداتهم، ولكني لا أسلم له بهذا، المسلم الذي يهنئ المسيحي لا يرضى بعقيدته ولا يقول إن عقيدته سليمة، فليس هناك تلازم بين التهنئة وبين الرضا بعقيدة غير المسلم.
مجمل القول إن المسلم يؤمن بالمسيح عيسى ابن مريم نبياً رسولاً من أولي العزم من الرسل، ويؤمن بأن الله أنزل عليه الإنجيل فيه هدى ونور، ويؤمن بمعجزاته المذكورة في القرآن الكريم وبأمه الصديقة البتول المطهرة الطاهرة المبرأة مريم بنت عمران، ولكن المسيح عليه السلام في عقيدتنا ليس رباً ولا إلها ولا ابن إله ولا ثالث ثلاثة، كما يعتقد بعض المحتفلين بمولده. ولا نرضى لهذا الرسول الكريم أن يرتبط اسمه المشرّف باسم احتفال مبتدَع لا يليق بمكانته، ولا نقر أن يرتبط مولده المبارك بيوم تُرتكب فيه المنكرات.

منقول عن مجلة المجتمع
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InSectionID=127&InNewsItemID=210154

تعليق المشرف: أما قول الشيخ القرضاوي (وقد نقلناه هنا بأمانة) فهو مردود عليه لأنه قول شاذ عن القاعدة والاجماع بين علماء السلف الخلف، وهو تحريم مجرد تهنئة النصارى بأعيادهم، وهو قول من عند الشيخ القرضاوي بالهوى والاستحسان مجرداً من النص والدليل. وللشيخ القرضاوي غفر الله لنا وله جملة من الأقول المخالفة في شأن أهل الأديان تراجع عن بعضها وأقر بأنه مخطئ فيها ولعله يتراجع غداً عن هذه مع تقديرناً لشخصه وعلمه، إلا أنه في مسألة مقارنة الأديان والحوار مع أهل الكتاب صرنا نحذر في الأخذ عنه ملتمسين له العذر إذ أنه وفقه الله ليس من المتخصصين في هذا الفن وقد أعلن عن فشل برامجه في الحوار مع الآخرين كما يسميهم، فالتنظير للدعوة شيء وللشيخ القرضاوي بحوث قيمة في هذا ولكن دعوة اليهود والنصارى بناء على المعرفة بهم وبكتبهم وتاريخ فرقهم شيء آخر وهذا ما ينقصه و كثير معه ممن يتسرع في الفتيا هنا، أصلح الله الجميع وهو الهادي إلى سواء السبيل.

Comments
One Response to “الكريسماس.. بين الاحتفال الديني والتجارة الرابحة”
التعقيبات "TrackBacks"
Check out what others are saying...


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • أقسام المدونة

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 147 other followers